قد يتحقق حلم الرئيس دونالد ترامب بإعادة فتح مضيق هرمز، لكن هذا لا يعني أن الممر المائي سيكون آمناً للعبور. والسبب: أنه من المرجح أن يكون مليئاً بالألغام التي تستغرق وقتاً طويلاً لإزالتها.
لننظر إلى أقرب مثال تاريخي، وهو قناة السويس عام 1974. فقد أغلقت مصر الممر لمدة سبع سنوات بسبب الحروب مع إسرائيل، ما أدى إلى احتجاز ما لا يقل عن 14 سفينة وتعطيل تدفق النفط العالمي. وبعد أن وافق الرئيس المصري أنور السادات على إعادة فتحها، استغرق المشروع الفعلي عاماً كاملاً، وشارك فيه أسطول دولي من سفن كاسحات الألغام والمروحيات وغواصي المتفجرات بقيادة الولايات المتحدة. وجاءت اللحظة الحاسمة في يونيو 1975 عندما قطع السادات سلسلة رفيعة عند مدخل القناة، واصفاً ذلك اليوم بأنه «أسعد يوم في حياتي».
يسعى ترامب إلى تحقيق هذا الهدف، لكن بنجاح محدود. ففي الأسبوع الماضي، منح الإيرانيين مهلة 48 ساعة لفتح مضيق هرمز «بشكل كامل» و«دون تهديد»، وإلا سيتم تدمير محطات الطاقة التابعة لهم. ورد النظام الإيراني بالتهديد بزرع «أنواع مختلفة من الألغام البحرية» في جميع أنحاء الخليج العربي. وتشير تقارير إلى أن مسؤولي الاستخبارات الأميركية يشتبهون بوجود ما لا يقل عن 12 لغماً لاصقاً تحت مضيق هرمز.
وقد منح الرئيس الآن إيران مهلة حتى 6 أبريل لفتح المضيق، لكن الأمر سيستغرق وقتاً أطول، فالقيام بذلك دون إزالة الألغام سيكون خطيراً. ولا شك أن شركات الشحن سترغب في الحصول على تأكيدات بإتمام المهمة قبل إرسال ناقلاتها عبر المضيق. فإصابة السفينة تحت خط الماء تزيد من احتمال غرقها أكثر من إصابتها بطائرة مسيّرة أو صاروخ، ناهيك عن الكارثة البيئية المحتملة.
لطالما كانت الألغام البحرية سلاحاً مهملاً. فرغم تطورها التكنولوجي وقدرتها الفتاكة المتزايدة، إلا أنها صغيرة صامتة، تستقر على قاع البحر أو مربوطة به، حيث تنتظر، بالكاد تتحرك كقنفذ البحر. وهي عادةً أسلحة ذاتية التشغيل، تُترك وتُنسى، عشوائية. لا تُثير الصدمة والرهبة، بل الكسل والملل.
وكما هو الحال مع نظيراتها البرية، تبقى الألغام البحرية عالقةً لفترة طويلة بعد انتهاء النزاعات. فبعد مرور أكثر من ثمانين عاما، لا تزال الألغام البحرية الألمانية غير المنفجرة من الحربين العالميتين تجرفها الأمواج بانتظام إلى شواطئ بريطانيا. كما تعلق ألغام أخرى بشباك الصيادين.
بعد الحرب العالمية الثانية، أمضت مجموعة من البحارة اليابانيين وسفنهم البحرية الصغيرة سنوات في تطهير سواحل البلاد. ولطالما شكلت الألغام مفاجأة غير سارة، لكنها موجودة منذ سنوات، وربما استخدمها الصينيون لأول مرة قبل أكثر من ستة قرون، ثم الأوروبيون في القرن 16.
تستخدم الجيوش الألغام لأنها غير متماثلة. فزرع مئة لغم في مضيق هرمز كفيل بمنع حتى حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جيرالد فورد» أو ناقلة الغاز الطبيعي المسال العملاقة من الاقتراب منها. حتى مجرد التظاهر بزرع الألغام أو محاكاته، قد يكون كافياً لبث الخوف والحذر واستنزاف الموارد. قد تحاول السفن عبور المضيق، لكن ذلك ينطوي على مخاطرة هائلة. وتاريخياً، غالباً ما ينتهي المطاف بالسفن التي تُقدم المساعدة لسفينة مُتضررة إلى التضرر أو الغرق.
لعقود طويلة، كان تطهير الألغام عملاً شاقاً. أما اليوم فتُستخدم سفن وأنظمة متطورة تعمل عن بُعد للكشف عنها وتحييدها. ومع ذلك، تظل العملية بطيئة وصعبة، لأن مياه البحر تحدّ من الرؤية وتجعل اكتشاف الأجسام الصغيرة أمراً معقداً.
ورغم خطورة الألغام، فإن مكافحتها لا تحظى باهتمام كبير في الميزانيات الدفاعية. وقد يؤدي ذلك إلى مشاكل للحكومات وشركات الشحن، التي تعتمد على تدفق النفط والغاز.
تتجه الجيوش الحديثة نحو الأنظمة غير المأهولة - الجوية والبحرية وتحت الماء - لكن كثيراً منها لم يُختبر بعد في القتال. وجاءت الحرب مع إيران في وقت غير مناسب للولايات المتحدة وحلف الناتو، حيث يخوضان مرحلة انتقالية تكنولوجية.
خلال الحرب العالمية الثانية، بنت البحرية الأميركية مئات من كاسحات الألغام. أما الآن، فقد انخفض عددها، حيث أحالت البحرية الأميركية معظم سفنها التقليدية من فئة «أفينجر» إلى التقاعد، والتي نُشر بعضها في الخليج العربي قبل إخراجها من الخدمة العام الماضي. ولا تزال أربع سفن منها متمركزة في اليابان.
أما البدائل فهي منصات وتقنيات غير مجرّبة. وقد زُوّدت سفن القتال الساحلي بأنظمة لمكافحة الألغام، لكنها واجهت مشاكل كبيرة، من ضعف التسليح إلى الأعطال الميكانيكية. حالياً، تشغّل الولايات المتحدة ثلاث سفن من هذا النوع في الشرق الأوسط، لكن اثنتين منها خارج المنطقة، بينما الثالثة في المحيط الهندي. وكان ترامب محقاً جزئياً عندما طالب الأوروبيين بالمساعدة. فقد طوّرت دول مثل بلجيكا وهولندا وفرنسا وبريطانيا خبرات في إزالة الألغام خلال الحرب الباردة، لكنها قلّصت قدراتها لاحقاً.
 مضيق هرمز تحول إلى حقل ألغام سياسي واقتصادي ودبلوماسي. وقد يرغب ترامب في تجاوز هذه الأزمة بسرعة، لكنه سيكتشف أن السفن التجارية ستتحرك بحذر شديد - إلى أن يتم تنظيف هذا الخطر بالكامل.

ألكسندر وولي*
 ضابط سابق بالبحرية الملكية البريطانية، ومدير مختبر أبحاث AidData في جامعة ويليام آند ماري الأميركية. 
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»